رأي في الشعر

رأي في الشعر

 

كثيراً ما تطرَّق النقاد والأدباء إلى تعريف الشعر, وحدِّه, ولا ريب أن التعريف يَضْبِطُ, ويُقَرِّب, ولكن الشعر قد يصعب أن يُعَامَل معاملة العلم؛ فَيُضْبطَ بالتعريفات المنطقية؛ ذلك أن المنطق جفاف، وجمود, وتقعيد, وربما تعقيد, والشعر شعور، وسيلان, وإشارات على حد قول البحتري:

كلفتمونا حدود منطقكم
 

 

والشعر يغني عن صدقه كذبه
 

ولم يكن ذو القروح يلهج بالـ
 

 

ــمنطق ما نوعه وما سببه
 

والشعر لَمْحٌ تكفي إشارته
 

 

وليس بالهذر طُوِّلَتْ خُطَبُه
 

ولقد تكلم الشعراء, والأدباء على وصف الشعر سواء أكان ذلك نثراً أم شعراً, ومن أبدع ما كُتِبَ في ذلك نثراً_ ما خطته يراعة البارودي في مقدمة ديوانه.

ومن أمتع ما قيل في ذلك شعراً ما قاله علامة العراق الأستاذ الشيخ محمد بهجة الأثري وذلك في قصيدته التي جاءت في ديوانه تحت عنوان:(الشعر كما أراه) حيث قال فيها:

الـشعر مـا روَّى الـنفوس معينُه
 

 

وجـرت بـرقراق الشعور عيُونُه
 

وصـفتكَـَلأْلاءِ الضِّياءِ حروفُه

 

وزهـتْ بـوضَّاء الـبيان مُـتونُه
 

مـتـألِّقُ الـقسمات، فـتَّانُ الـرُّؤا
 

 

يزهو صِبا الفصحى الطريرَ رصِينُه
 

حـرُّ الـمذاهبِ لا يشوبُ أصولَه
 

 

كـدَرٌ،ولا واهـي الـلغات يشينُه
 

ابــنُ الـحقيقةِ، والـحقيقةُ نـهجه
 

 

والـصدقُ فـي أَرَبِ الـحياةِ خدينُه
 

الـعـبـقريَّةُ نـفـثُه، والـبـابليَّـ
 

 

ــةُ فـعلُه، وهـوى الـطرافة دينُه
 

تـجري عـلى سَـنَنِ الجلال خِلالُه
 

 

ويـرودُ أوضـاحَ الـجمالِ يـقينُه
 

وتُـريـغُ أسـبابَ الـحياة شـمالُه
 

 

وتــروحصـائنةً لـهنَّ يـمينُه
 

غَـرِدٌ كـصدَّاحِ الـكنارِ، مُساوقٌ
 

 

نـغمَالـطبيعةِ، راقـصٌ موزونُه
 

وكـماتـشفُّ عن الشراب كؤوسه
 

 

لَـمْحاً تُـبينُ عـن الضميرِ لحونُه
 

دلُّ الـحِـسانِ الـغـانياتِ فـنونُه
 

 

وخـدُودهـنَّالـنـاعماتُ فـتونُه
 

يـفْتَنُّ طـلْقَ الـروحِ في مضماره
 

 

ويـروحتـلعبُ بـالعقولِ فـنونُه
 

مِـزمارُأوطـارٍ، وحـادي أمَّـةٍ
 

 

يـحدوعـلى شـرف الحياة مُبينُه
 

إنراقـص الآمـالَ أنـعشَ بائساً
 

 

وارتـاحمـكروبُ الـفؤادِ حزينُه
 

أو أنَّ مـكـتئباً بـبـرْحِ شُـجونه
 

 

أَوْرَى الـجَوَى فـي سـامعيْه أنينُه
 

أو حــنَّ مُـشتاقاً إلـى أوطـارِه
 

 

بـعثَ الـمِراحَ إلـى النفوس حنينُه
 

أو رنَّ بـالـشَّدواتِ مِـن تـشبيْهِه
 

 

أذكــىأُوارَ الـعـاشقينَ رنـينُه
 

أو هـاج غـضبانَ الـحفيظةِ ثائراً
 

 

بـعثَالـجبانَ إلـى الوغى تلحينُه
 

حـتْفُ الـطُغاةِ إذا كوى مُتغطرساً
 

 

ألْـوىوأَهْـطَعَ طـرْفُه وجـبينُه
 

يـمضيوفي التاريخ باقٍ وسْمُه
 

 

ويَـظَـلُّوهْـو طـريدُه ولـعينُه
 

يـزكوويـخلُدُ مـن سرِيِّ حروفِه
 

 

مـأمـونُهُ فــي صـدقِه وأمـينُه
 

ويـموتمخنوقَ الصَّدى من فوْرِه
 

 

مـكـذوبُهودعـيُّـه وأفـيـنُه
 

راودتُأحـلامَ الـشبابِ فلم أجد
 

 

كـالـشِّعرِتُـدنيها إلـيَّ فـنُونُه
 

بَـرْدٌعـلى حـرِّ الشَّغافِ وبلسمٌ
 

 

كَـيَدِ(الـمسيح) رَؤُمُـه وحَـنونُه
 

أتـنوَّرُ الـصَّبواتِ بـينَ ريـاضِه
 

 

وظـلالُـهمـيَّـادةٌ وغُـصـونُه
 

تَـنْدَى فـيُذْكي بـردُهُنَّ حرارتي
 

 

ويـهيجُبـي شوقُ الهوى وجنُونُه
 

ويـعودُبي سحرُ الخيالِ إلى الصِّبا
 

 

ويـطيرُبـي مـن فـتنةٍ مجنونُه
 

أنـا والـصِّبا والشِّعرُحُلْمٌ حالمٌ
 

 

مَـرِحتْ بـأهدابِ الـجُفُونِ فُـتُونُه
 

طـيْفٌ أطـافَ من الشبابِ مُلاوةً
 

 

لـو دامَ لـي ذاك الـشبابُ وحـينُه
 

زمــنٌ تـبـدَّدَ والـشبابُ وراءَه
 

 

جـارٍ،وآفـاتُ الـمشيبِ تـخونُه
 

ولَّـى كـما خَفَقَ السَّرابُ فعادَ من
 

 

أوهـامِـه مـخـدوعُه وغَـبِـيْنُه
 

وصـحوْتُأسْتَبقِي القريضَ لِوَاهنٍ
 

 

فـي جـانبِي يـخلُو لـه ويُـعينُه
 

أيـنَ الـجديدُ الـبكرُليس بضالعٍ
 

 

مَـشْياً ولـيس بـناصِلٍ تـلويْنُه؟
 

الـواثبُالـروحِ الأصيلُ شُعُورُه
 

 

وخـيـالُهونُـزُوعُـه ويـقينُه
 

تـمتصُّ مـن حـرِّ البيانِ عُرُوقُه
 

 

ويُـجـلُّـهإيـقـاعُه ويَـزيـنُه
 

زاهٍ بـأبـكارِ الـتَّـخيُّلِ ثـوبُـه
 

 

لا عُــورُهُ تَـنْـتاشُهُ أو عُـونُه
 

يَـسْتَنُّ سِـحرُ الـحُسنِ في أعطافِه
 

 

ويَـتِـيْهُمـنـه رقـيقُهُ ومَـتيْنُه
 

وكـأنَّـما سُـقِيَ الـرَّحيقَ مُـعلَّلاً
 

 

فـتَـوَرَّدتْ وَجَـنـاتُهوعُـيـوُنُه

 

أعلى top الصفحة